أثر مياه الصرف الصحي على النظم البيئية البحرية

 

بقلم    د. علي عشقي   

حبا الله البحر الأحمر بتكوينات مرجانية وتنوع حيوي لا يوجد لها مثيل في جميع البحار والمحيطات الاستوائية. ولكن مما يؤسف له أننا دمرنا معظم هذه التكوينات المرجانية بالحفر والردم والتجريف ومياه الصرف الصحي والصناعي

في الأسابيع الماضية تحدثت عن تأثير محطة معالجة مياه الصرف الصحي التي تم إنشاؤها في الركن الجنوبي الشرقي من مطار الملك عبد العزيز، على كل من مطار الملك عبد العزيز والمناطق السكنية المحيطة به، واليوم سأختم حديثي عن هذه المحطة بتوضيح تأثيرها على النظم البيئية للبحر الأحمر.

وقبل الخوض في ذلك أحب أن أوضح كلا من الخصائص والمميزات العامة للنظام البيئي للبحر الأحمر ككل، وكذلك المميزات الخاصة بالنظام البيئي للتكوينات المرجانية التي ستتأثر مباشرة بمياه الصرف الصحي لهذه المحطة.

من المميزات العامة والخصائص المميزة للبحر الأحمر أنه أطول بحر على سطح الكرة ألأرضية، فهو يمتد في اتجاه شمال غرب بطول يصل إلى حوالي 2000 كيلو متر تقريبا، حيث يمتد ما بين خطي عرض 12 شمال تقريبا عند مضيق باب المندب وينتهي عند خط عرض 30 شمال عند نهاية خليج السويس، ومن المعروف عن البحر الأحمر أنه فقير جدا في موارده الاقتصادية، حيث يلقب بالصحراء الزرقاء ولا تزيد نسبة الحياة فيه عن 2% من مجموع مساحته السطحية، لذا فهو أكثر تصحرا من جزيرة العرب، وفي المقابل فقد حبا الله البحر الأحمر بتكوينات مرجانية وتنوع حيوي Bio-Diversity لا يوجد لها مثيل في جميع البحار والمحيطات الاستوائية، ولكن مما يؤسف له أننا دمرنا معظم هذه التكوينات المرجانية بالحفر والردم والتجريف ومياه الصرف الصحي والصناعي، ونظرا لاختلاف درجات الحرارة على طول محوره، فقد قسمت الطبيعة البحر الأحمر إلى ثلاثة نظم بيئية مختلفة، فالنظام البيئي في الجنوب يختلف عن مثيله في الوسط، وشماله يختلف عن كل من الجنوب والوسط وقد يصل الاختلاف إلى 12% في التكوينات الحيوية ناهيك عن الخصائص الفيزيائية….. خصائص البحر الأحمر تحدث عنها الكثير من علماء البحار والمحيطات مثل الدكتور سليم مرقص، والدكتور Patzer (1972) والدكتور Stephen Head (1987) ولا يمكن أن نوجز هذه الخصائص في مقال صحفي.

من أكثر النظم البيئية تأثرا بمياه الصرف الصحي ومياه تصريف السيول، هي تكوينات الشعاب المرجانية والسبب في ذلك يعود إلى الخصائص البيولوجية والفسيولوجية المميزة لهذه المراجين منذ نشأتها الأولى في السلم التطوري وذلك في العصر الكمبري Cambrian Period أي منذ حوالي 500 مليون عام تقريبا، فالمراجين حيوانات بحرية لا تعيش في المياه العذبة، ويتطلب نموها ثلاثة شروط بيئية محددة:

الشرط الأول: أن يكون المدى الحراري للوسط الذي تعيش فيه يتراوح ما بين 20 إلى 28 درجة مئوية.

أما الشرط الثاني: فهو درجة ملوحة الوسط، ومداها الأمثل لنموها يتراوح ما بين خمسة وعشرين جزءا من الألف 25‰ إلى أربعين جزءا من الألف 40‰ وكلمة 25 جزءا من الألف و40 جزءا من الألف تعني في أبسط معانيها هو كيلو من الماء المقطر مذاب فيه 25 أو 40 جزءا من الملح. وهذا ما تمثله الملوحة في بحار ومحيطات العالم، فإضافة مياه الصرف الصحي حتى لو كانت معالجة ثلاثيا أو رباعيا إلى النظم البيئية البحرية ستخل تماما هذه النسبة، الأمر الذي سيتسبب بدون أدنى شك في انقراض الشعاب المرجانية من البحر الأحمر التي تمثل اللبنة الأساسية في الشبكة الغذائية في البحر الأحمر والقضاء عليها يعني بالضرورة القضاء على جميع صور الحياة في البحر الأحمر!.

الشرط الثالث: لنمو وترعرع الشعاب المرجانية في النظم البيئية البحرية هو شفافية مياه البحر وشدة ضوء الشمس، السبب في ذلك يرجع إلى نوع من الطحالب الميكروسكوبية الحمراء تدعى zooxanthellae تعيش داخل أنسجة البوليبات المجهرية التي تكون مستعمرات الشعاب المرجانية التي قد تمتد لآلاف الكيلو مترات، هذه الطحالب تضفي على المراجين ألوانها الزاهية، تعيش هذه الطحالب داخل أنسجة المراجين معيشة تكافلية، حيث تمد المراجين بأكثر من 70% من احتياجاتها الغذائية، وذلك عن طريق تثبيت المادة العضوية التي تقوم بتخليقها من ضوء الشمس فيما يعرف بعملية التمثيل الضوئي Photosynthesis ، فإذا حدث تعكر لهذه المياه لأي سبب من الأسباب فهذا سيحجب ضوء الشمس عن المراجين، مما يتسبب في إعاقة الطحالب الحمراء عن القيام بعملية التمثيل الضوئي وبالتالي تفقد المراجين مصدر غذائها الرئيسي، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى القضاء عليها.

لهذه الأسباب البيئية المذكورة أعلاه والتي تؤثر سلبا على نمو الشعاب المرجانية، عارضت وأعارض تصريف مياه السيول في النظم البيئية المرجانية، ولكن من الممكن تصريفها في نظام بيئي بحري آخر أعده الله لهذه الوظيفة قادر على استيعاب المياه العذبة، أيا كان مصدرها وكميتها، ويعرف هذا النظام باسم النظام البيئي لغابات المانجروف Mangroves وهي موجودة وممتدة على طول جميع مصبات الأودية والسيول على طول البحر الأحمر.

لذا  لا بد من تطوير فكرنا البيئي بما يخدم نظمنا البيئية البحرية، ولن يتم لنا تطبيق مبدأ التنمية المستدامة Sustainable development إذا لم ندرك معنى البيئة المستدامة Sustainable Environment. وأرجو بعد الجهد الذي بذلته في توضيح الجوانب البيئية المدمرة لهذه المحطة المذكورة أعلاه، أن يعاد النظر في إنشاءها. فوالله لم يدفعني لذلك إلا حبي وولائي وإخلاصي لوطنن الحبيب.

نشر فى 24-11-2011  فى الوطن أونلاين

تعليق الفيس بوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top